Minggu, 13 April 2008

تحرير حجّة الشّيخ أبي الحسن الأشعريّ في كون الوجود عين الماهية.

مقالة من تأليف لطفي خيرالله

اختلفت الفلاسفة والمتكلّمون المسلمون في تعريف الوجود وبيان حقيقته، وبيان نوع علاقته بالماهية. أمّا الفلاسفة فقد اتّفقت بأنّ الوجود هو لفظ يدلّ على معنى غير المعنى الّذي يُدَلُّ به على الماهية، وأنّ معناه نفس الحصول والتّحقّق في الأعيان. ولذلك فإنّ الوجود لا يُقَالُ على مصدوقاته بالاشتراك كما تُقَالُ لفظة العين مثلا بالاشتراك على العين الباصرة، وعين الماء، وعين القوم إلى غير ذلك، إذ هذه كلّها معان مختلفة، ويُشار إليها باسم واحد، أي العين. بل إنّ الوجود ذو معنى ما مشترك بين الأشياء الّتي يقال عليها موجودة، وراء لفظه. لكنّ الوجود لا يقال كذلك بالتّواطئ، أي كما يقال الجنس على أنواعه، مثلما أنّ الحيوان يقال على أنواعه، الفرس، والحمار، وغيرهما بالسّواء، وطبيعة الحيوانيّة فيها هي هي، ولا كما تقال الطّبيعة النّوعيّة كطبيعة الانسان على أفرادها. والثّاني بيّن المنع لأنّه مثلا، يجعل الموجودات كلّها، الوجود الواجب، والموجودات الممكنة، غير مختلفة الحقيقة، فالواجب الوجود ذو الطّبيعة النّوعيّة المتّفقة مع الموجود الممكن، سيكون وجوبه زائدا على حقيقته، وإن زاد وجوبه على وجوده، فقد تركّب واجب الوجود، وهذا خلف. والأوّل ممنوع أيضا، وذلك لأنّ الجنس هو بالقوّة نوع، ويتحقّق نوعا معّينا بالفصل، وإذا تعدّدت أنواع الجنس، لزم تعدّد الفصول، فيكون فصل نوع الفرس غير فصل نوع الحمار، وغير فصل الأسد، إلى غير ذلك. وهذه الفصول المنوِّعة للجنس لا يمكن أن تكون داخلة تحت حقيقة الجنس، لأنّه لو دخلت تحت حقيقة الجنس، والجنس مشترك بين أنواعه، لكانت كلّ الفصول ذات حقيقة واحدة، وعندئذ يرتفع التعدّد النّوعيّ، وتصير الأنواع كلّها نوعا واحدا، مثلا الفرس والحمار هما نوع واحد، ولا اختلاف بينهما إلاّ في اللّفظ. فلو كان الوجود يقال بالتّواطئ الجنسيّ لكان جنسا لِمَا يُقَال عليه؛ ولكن الماهيات الّتي يقال عليها الوجود إنّما هي مركّبة من جنس وفصل، ومعلوم أنّ الفصل هو فعليّة الجنس، فالفصل موجود وجودا أحقّا من الجنس؛ ولكن الوجود قد فُرض جنسا يُقَالُ على كلّ الماهيات، فكلّ الماهيات إذن تشترك في جنس واحد أي الوجود، وتختلف بينها بفصولها، ولكن هذه الفصول إنّما هي موجودة أيضا، ففصول الماهيات الموجودة تدخل أيضا تحت جنس واحد، أي الوجود، فيلزم بأنّ كلّ الموجودات إنّما هي وجود واحد، هذا خلف. فبان بذلك أنّ الوجود ليس بطبيعة لمصدوقاته، وإنّما عرض عامّ لها، بما هو معنى مطلق، وإن أُخِذَتِ الموجودات الخاصّة، فكلّ حقيقة حقيقة موجودة فلها وجودها المخصوص، فيكون هذا الوجود المخصوص في المبدأ الأولّ أتمّ منه في سائر الموجودات، وفي الموجودات العالية والشّريفة أعلى منه في الموجودات الخسيسة، ويكون في الجواهر أتمّ منه في الأعراض. لأجل ذلك قالت الفلاسفة، ووافقهم بعض المتكلّمين بأنّ الوجود إنّما يُقَالُ بالتّشكيك على الحقائق الموجودة، مثلما يقال النّور على نور الشّمس، ونور الشّمعة، إلى غير ذلك. والفلاسفة بعد أن قرّروا بأنّ الوجود هو معنى مُشَكَّكٌ، وليس بالمشترك، وأنّه غير الماهية، فإنّهم قد أثبتوا أيضا أنّه ليس في كلّ الماهيات الوجود غير الماهية، بل إنّ الله، الّذي هو واجب الموجود، فإنّ وجوده هو عين حقيقته، أي أنّ وجود الواجب ليس بمعنى زائد على نفس حقيقتة، بل إنّ حقيقته هي عين وجوده؛ أمّا في سائر الأشياء الّتي هي ممكنة الوجود، والّتي بما هي هي، لا موجودة ولا معدومة، فالوجود زائد على معناها، لذلك اُحْتِيجَ فيها حتّى يترجّح وجودها عن عدمها إلى حيثيّة أخرى غير حقيقتها، وهذه الحيثيّة هي فعل واجب الوجود نفسه.

وكان قد وُجِدَ أيضا فريق من المتكلّمين قد وافقوا الفلاسفة في عدّهم أنّ الوجود يقال بالتّشكيك، وأنّه حقيقة غير حقيقة الماهية، لكنّهم قد فاراقوهم بأن طردوا هذه المغايرة بين الوجود، لا الوجود المطلق، بل الوجود الخاصّ أيضا، لا فقط في حقّ الأمور الممكنة، بل وأيضا في الواجب نفسه، فصرّحوا بمخالفة الوجود للماهية في واجب الوجود كذلك؛ وإنّا هنا نحن سوف لن نعرض لحججهم.

أمّا الشّيخ أبو الحسن الأشعري ومن تبعه فقد خالفوا الفريقين الاثنين، وأثبتوا بأنّ الوجود كلّه هو عين الماهية، ولذلك فعنده الوجود إنّما يُقَاُل على مصدوقاته بالاشتراك اللّفظي، كما تقال العين على مصدوقاتها، وأنّه ليس وراء لفظة الوجود من معنى آخر غير الماهية نفسها، و لا يمكن أن يكون هناك حقيقة أخرى غير الماهية المتحقّقة في الأعيان توصف بها الماهية بالوجود؛ ولأجل أن يثبت هذا المبدأ ساق الشّيخ هذه الحجّة الّتي نحن لآخذون بتحريرها كلّ التّحرير:

إنّه لو كانت الماهية غير الوجود، والوجود غير الماهية، وكان للوجود حقيقة متقرِّرة وللماهية الموصوفة بالوجود حقيقة متقرّرة غير الوجود، والمقصود بهما هنا لا الوجود المطلق فقط، والماهية المطلقة فقط، بل كلّ وجود مخصوص وكلّ ماهية مخصوصة، كوجود زيد المخصوص، وماهية زيد، ووجود الله، وماهية الله، إلى غير ذلك، فإنّ هذه المغايرة سوف تقتضي إمّا أن يكون الوجود في غير ذات الواجب الّذي هو متّفق فيه بين الأشعريّ ومن تبعه، والفلاسفة أنّه عين ماهيته، إمّا أن يكون الوجود في الماهيات الممكنة جزء من ماهياتها، مثلا، وجود زيد جزء من ماهيته، مثلما أنّ النّطق هو جزء من ماهيته أيضا، وللنّطق حقيقة غير حقيقة الانسانيّة، وإمّا أن لا يكون جزء من ماهيتها البتّة، فيكون عرضا لها، إمّا بنحو العرض اللاّزم كعروض الضّحك للإنسان، أو بنحو العرض الغير اللاّزم كنحو عروض البياض لزيد.

وبيان أنّ الوجود ممنوع فيه أن يكون جزء من الماهية، هو أنّ ما يكون جزء من ماهية شيء، فإمّا جنسه، أو فصله، وكلا المعنيين مقوّمان لطبيعة الماهية، والماهية من حيث هي هي، تتركّب من جنس وفصل، فلو كان الوجود للماهية الممكنة، جزء داخلا فيها ومقوّما لها، لكانت هذه الماهيات الممكنة من حيث هي هي موجودة، مثلما أنّ الفرس من حيث هو هو كان حيوانا، أو صاهلا؛ وإن كانت الماهية الممكنة من حيث هي هي موجودة، صار مناط وجودها، نفسها، فلا تكون ممكنة بل واجبة؛ ولكنّها ممكنة، هذا خلف؛ فما أدّى إلى محال، محال، وهو فرضنا أنّ الوجود جزء الماهيّة.

وإذ قد بان أنّ الوجود لا يمكن أن يكون جزء من الماهية، فلننظر إن كان يجوز أن يكون عرضا، إمّا بنحو العرض اللاّزم، أو بنحو العرض غير اللاّزم.

إنّ من اللاّزم العرضيّ ما يكون لازما للماهية من حيث هي بلا شرط الوجود، ومنها ما يكون لازما للماهية لا من حيثيّة الماهية بمجرّدها، بل بشرط الوجود؛ فمثال عن الأوّل كون المثّلث مجموع زواياه مثل زاويتين قائمتين، ومثال على الثّاني، كون الانسان ذا قوّة على الضّحك. وبَيِّنٌ أنّ الوجود من المحال أن يكون لازما عرضيّا بالمعنى الأوّل، لأنّه سوف يكون اقتضاءه الوجود من حيثيّة الماهية بمجرّدها، مثلما أنّ ماهية المثلّث بلا شرط الوجود كانت اقتضت الصّفة المذكورة، فيكون الممكن واجبا، وإن كان الوجود هنا، أي الوجود اللاّزم للماهية بلا شرط الوجود، ليس بالشَّطْرِ المقوّم كما في المثال السّابق.

فالوجود إذًا إن كان زائدا على الماهية، وكان ذا حقيقة غير حقيقة الماهية، فلم يبق إلاّ أن يكون عرضا لها، إمّا بالمعنى اللاّزم بشرط الوجود، وإمّا بمعنى العرض الغير لازم، كعروض البياض للجسم الأبيض.

إنّه لو صحّ أن الوجود كان ذا حقيقة زائدة على الماهية، وقائما بها قيام العرض، لكان هناك أمران، الماهية نفسها، ووجودها، والماهية تكون موضوعا معروضا للوجود، والوجود حقيقة عارضة للماهية، لأنّ الوجود هو وصف لها. وإذا كان الوجود صفة للماهية، فهو قائم بها، لأنّ كلّ صفة إنّما تقوم بموصوف. وحينئذ هذا القائم أي الوجود، إمّا أن يكون قائما بأمر معدوم، وإمّا أن يكون قائما بأمر موجود.

ومقتضى الدّليل أن يكون الوجود إنّما يقوم بمعدوم، لأنّ الموصوف بشيء إنّما يتّصف به لأجل الصّفة، فالجسم قبل أن يُكْسَى اللّون الأبيض لم يكن أبيض، بل بحلول البياض فيه قد صار أبيض، كذلك الماهية، إن كانت قد اتّصفت بالوجود، فلأجل طروّ الوجود، إذن فالوجود إنّما يقوم بماهية هي معدومة لا موجودة. ولكن قيام الوجود بماهية معدومة إنّما يلزم عنه محالان ظاهران: المحال الأوّل، هو أنّا قد ذكرنا بأنّ الموصوف العرض، سواء كان عرضا لازما بشرط الوجود، أو عرضا غير لازم، إنّما ثبوته للمعروض فرع عن ثبوته هو، أي أنّه إن وُجِدَ البياض، فلابدّ أن يوجد في جسم ما، فثبوت البياض هو فرع لثبوت موضوعه، لذلك ما لم يثبت الموضوع لم يثبت العرض، وقد يثبت الموضوع ولا يثبت العرض، وأنت تعلم أنّ الموضوع هو أبدا أحرى بالوجود من العارض، كوجود زيد هو أثبت وجودا من كونه أبيض أو غنيّا، إلى غير ذلك. وعلى هذا فلو قلنا بأنّ الوجود العارض القائم بالماهية، قائم بالماهية المعدومة، لَلَزِمَ عن ذلك قيام موجود بمعدوم، وكون العرض متقدّما تقدّما مطلقا على موضوعه، وهذا خلف، إذن فالوجود لا يمكن أن يكون قائما بماهية معدومة؛ والمحال الثّاني اللاّزم عن فرض قيام الوجود بماهية معدومة، هو أنّ الماهية حال اتّصافها بالوجود، ففي نفسها معدومة، فتكون الماهية معدومة موجودة، أي أنّها متّصفة بأمرين متناقضين، وهذا خلف، فلزم أنّه لا يمكن أن تكون الماهية المتّصفة بالوجود معدومة.

فلنضع أنّها موجودة، وإن كان هذا الوضع خلاف الدّليل، فإنّه لازم بحكم قانون البرهان والجدل؛ إذن قد يكون الوجود المنضمّ إلى الماهية إنّما انضمّ إلىماهية موجودة، لأنّ ما ثبت في شيء لا بدّ أن يثبت في ثابت، وحينئذ، إنّ الماهية المتقرّرة الموجودة الّتي هي موضوع الوجود العارض، إمّا أن يكون تحقّقها قبل طروّ الوجود العارض، إنّما بنفس ذلك الوجود العارض، أو بوجود آخر. والفرض الأوّل يلزم عنه محال الدّور، وهو توقّف الشّيء على نفسه، كما لو قلنا بأنّ الدّجاجة أصلها البيضة، والبيضة أصلها الدّجاجة، فلزم أن البيضة أصلها البيضة، فتوقّف شيء على نفسه، وهذا محال. كذلك فلو قلنا بأنّ الوجود العارض إنّما قام بماهية متقرّرة بنفس ذلك الوجود، للزم أنّ الماهية قد تقرّرت أوّلا، وتقرّرت بالوجود العارض، ثمّ إنّ الوجود العارض قد تقرّر عارضا لمعروضه الماهية المتقرّرة بنفسه، فتوقّف الوجود العارض على نفسه، فكان دورا، وهو محال. لذلك فإنّه لا يمكن أن يكون تحقّق الماهية المعروضة للوجود بنفس ذلك الوجود العارض لها.

فعسى أن يكون تقرّرها بوجود آخر. ولكن هذا الوجود الآخر الّذي تقرّرت به الماهية حتّى يقوم الوجود العارض الأوّل بها، هل هو عين الماهية، أم غير الماهية؟ إن قلنا بأنّه عين الماهية، حصل المطلوب، وثبت مطلبنا بأنّ الوجود عين الماهية، واستغنينا عن فرض الوجود العارض الأوّل، وكونه زائدا على الماهية. وإن لم يكن عين الماهية، كان زائدا عليها، وإن كان زائدا عليها، وعارضا لها، فسيلزم فيه ما لزم في الأوّل، وإن وضعنا أيضا بأنّ هذا الوجود الثّاني الذي قد تقرّرت به الماهية لِقيام الوجود الأوّل إنّما يقوم بماهية متقرّرة، تسلسل الأمر وذهب إلى ما لا نهاية، والتّسلسل ممنوع؛ فامتنع إذن أن تكون الماهية المنضمّ لها الوجود، موجودة؛ وإذ قد بان أيضا بأنّها ليست بمعدومة، محال إذن أن يقوم الوجود بالماهية بنحو من الأنحاء، وما لزم عنه محال، محال، فالوجود إذًا ليس بعارض ولا زائد على الماهية، فثبت مطلوبنا، أي أنّ الوجود هو عين الماهية.

إنّ الشّيخ أبا الحسن الأشعريّ إنّما قد استدلّ فيما سبق على مطلبه باعتباره المعروض، أي الماهية، ولكنّه كان قد استدلّ عليه أيضا باعتباره العارض نفسه، أي الوجود، وبهذا النّحو: إنّ الوجود العارض للماهية قد فُرِضَ ذا حقيقة مفهومة، وهذه الحقيقة بما هي حقيقة لا يخلو الأمر فيها ككلّ حقيقة من أن تكون إمّا موجودة، أو معدومة؛ فعلى وضع أنّها معدومة، أي على فرض أنّ الوجود العارض للماهية المعروضة، هو موصوف بالعدم، اقتضى ذلك محالين اثنين: المحال الأوّل أن يتّصف الوجود بنقيضه وهو العدم، فيجتمع فيه النّقيضان، كأنّك قلت فلان موجود وغير موجود من كلّ الحيثيّات، في الزّمن والمكان، والمحلّ، إلى غير ذلك، وهذا خلف. والمحال الثّاني أنّ الماهية المتّصفة بالوجود قد اتّصفت بالوجود المعدوم، أي أنّ الماهية تكون قد تحقّقت بشيء هو في نفسه غير متحقّق، ومعلوم أنّ ما يحقّق أمر غيره هو فرع لأن يتحقّق في نفسه، فمثلا اللّون الأسود لا يمكن أن يجعل جسما أسود، إن كان هو في نفسه غير ذي سواديّة، كذلك الوجود الّذي تقرّرت به الماهية لا يمكن أن يُكْسِبَ هذه الماهية صفة الوجود إن كان في ذاته هو معدوما.

بل لعلّ الوجود العارض إنّما هو متّصف بالوجود؟ وهنا أيضا سيلزم هذا المحال، إذ الوجود الّذي هو صفة لحقيقة الوجود الأوّل العارض للماهية لا يخلو إمّا أن يكون نفس حقيقة الوجود الأوّل، أو غيره؛ فإن كان نفس حقيقة الوجود، صار الوجود عين الحقيقة، وبان أن لا زيادة للوجود على الماهية الموجودة؛ وإن كان غيرها، أي غير حقيقة الوجود العارض، فإنّه سيلزم نفس ما لزم في الوجود الأوّل، فيتسلسل الأمر إلى ما لانهاية، والتّسلسل باطل؛ وإذ قد بان أنّه من فرض الوجود كونه معدوما اجتماع النّقيضين، وتحقّق الماهية بما لا تحقّق له في ذاته، ومن فرض وجوده، التّسلسل إلى ما لا نهاية، وكلاهما محال، والّذي أدّى إلى ذلك هو كون الوجود زائدا على الماهية، فهذا محال، فالوجود إذا هو عين الماهية.

تمّت المقالة في 29/12/2004 بطبلبة، ولواهب العقل الحمد والمنّة.

رأي القارئ وسؤاله

لطفي خيرالله

تونس

تاريخ الميلاد 21/02/1965 بطبلبة

باحث في الفلسفة

البريد الالكتروني


Tidak ada komentar: